ابن كثير

261

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 53 إلى 55 ] وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 54 ) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 55 ) يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب اللّه أن يقع بهم وبأس اللّه أن يحل عليهم ، كما قال تعالى : وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] وقال هاهنا : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ أي لولا ما حتم اللّه من تأخير العذاب إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب قريبا سريعا كما استعجلوه ، ثم قال : وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً أي فجأة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ أي يستعجلون العذاب وهو واقع بهم لا محالة . قال شعبة عن سماك عن عكرمة : قال في قوله : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ قال : البحر « 1 » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد ، حدثنا أبي عن مجالد عن الشعبي أنه سمع ابن عباس يقول : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ وجهنم هو هذا البحر الأخضر تنتثر الكواكب فيه ، وتكور فيه الشمس والقمر ، ثم يوقد فيكون هو جهنم . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا أبو عاصم ، أخبرنا عبد اللّه بن أمية ، حدثني محمد بن حيي ، أخبرني صفوان بن يعلى عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « البحر هو جهنم » قالوا ليعلى ، فقال : ألا ترون أن اللّه تعالى يقول : ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها قال : لا والذي نفس يعلى بيده ، لا أدخلها أبدا حتى أعرض على اللّه ولا يصيبني منها قطرة حتى أعرض على اللّه تعالى ، هذا تفسير غريب ، وحديث غريب جدا ، واللّه أعلم . ثم قال عز وجل : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ كقوله تعالى : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ [ الأعراف : 41 ] وقال تعالى : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [ الزمر : 16 ] وقال تعالى : لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ [ الأنبياء : 39 ] الآية ، فالنار تغشاهم من سائر جهاتهم ، وهذا أبلغ في العذاب الحسي . وقوله تعالى : وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ تهديد وتقريع وتوبيخ ، وهذا عذاب معنوي على النفوس ، كقوله تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ [ القمر : 48 - 49 ] وقال تعالى : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 10 / 155 . ( 2 ) المسند 4 / 223 .